فصل: خمارويه بن أحمد بن طولون

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ في المحرم منها طلع نجم ذو جمة ثم صارت الجمة ذؤابة‏.‏

قال‏:‏ وفي هذه السنة غار ماء النيل وهذا شيء لم يعهد مثله ولا بلغنا في الأخبار السالفة‏.‏

فغلت الأسعار بسبب ذلك جداً‏.‏

وفيها‏:‏ خلع على عبد الله بن سليمان بالوزارة‏.‏

وفي المحرم منها‏:‏ قدم الموفق من الغزو فتلقاه الناس إلى النهروان فدخل بغداد وهو مريض بالنقرس فاستمر في داره في أوائل صفر، ومات بعد أيام‏.‏

قال‏:‏ وفيها تحركت القرامطة وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات‏.‏

ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة ويدخلون إلى الباطل من جهتهم، لأنهم أقل الناس عقولاً، ويقال لهم‏:‏ الإسماعيلية، لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق‏.‏

ويقال لهم‏:‏ القرامطة، قيل‏:‏ نسبة إلى قرمط بن الأشعث البقار، وقيل‏:‏ إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر من اتبعه بخمسين صلاة في كل يوم وليلة ليشغلهم بذلك عما يريد تدبيره من المكيدة‏.‏

ثم اتخذ نقباء اثنى عشر، وأسس لأتباعه دعوة ومسلكاً يسلكونه ودعا إلى إمام أهل البيت، ويقال لهم‏:‏ الباطنية لأنهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض، والخرمية والبابكية نسبة إلى بابك الخرمي الذي ظهر في أيام المعتصم وقتل كما تقدم‏.‏

ويقال لهم‏:‏ المحمرة نسبة إلى صبغ الحمرة شعاراً مضاهاة لبني العباس ومخالفة لهم، لأن بني العباس يلبسون السواد‏.‏

ويقال لهم‏:‏ التعليمية نسبة إلى التعلم من الإمام المعصوم، وترك الرأي ومقتضى العقل‏.‏

ويقال لهم‏:‏ السبعية نسبة إلى القول بأن الكواكب السبعة المتحيزة السائرة مدبرة لهذا العالم فيما يزعمون لعنهم الله‏.‏

وهي القمر في الأولى، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 72‏)‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وقد بقي من البابكية جماعة يقال‏:‏ إنهم يجتمعون في كل سنة ليلة هم ونساؤهم ثم يطفئون المصباح وينتهبون النساء فمن وقعت يده في امرأة حلت له‏.‏

ويقولون‏:‏ هذا اصطياد مباح لعنهم الله‏.‏

وقد ذكر ابن الجوزي تفصيل قولهم وبسطه وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر الباقلاني المتكلم المشهور في كتابه ‏(‏هتك الأستار وكشف الأسرار‏)‏ في الرد على الباطنية، ورد على كتابهم الذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصر في أيام الفاطميين الذي سماه ‏(‏البلاغ الأعظم والناموس الأكبر‏)‏ وجعله ست عشرة درجة أول درجة أن يدعو من يجتمع به أولاً إن كان من أهل السنة إلى القول بتفضيل على علي عثمان بن عفان، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيل علي على الشيخين أبي بكر وعمر، ثم يترقى به إلى سبهما لأنهما ظلما علياً وأهل البيت، ثم يترقى به إلى تجهيل الأمة وتخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك، ثم يشرع في القدح في دين الإسلام من حيث هو‏.‏

وقد ذكر لمخاطبته لمن يريد أن يخاطبه بذلك شبهاً وضلالات لا تروج إلا على كل غبي جاهل شقي‏.‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 7-9‏]‏ أي‏:‏ يضل به من هو ضال‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 161-163‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 112‏]‏‏.‏

إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن أن الباطل والجهل والضلال والمعاصي لا ينقاد لها إلا شرار الناس كما قال الشعراء‏:‏

إن هو مستحوذ على أحد * إلا على أضعف المجانين

ثم بعد هذا كله لهم مقامات في الكفر والزندقة والسخافة مما ينبغي لضعيف العقل والدين أن ينزه نفسه عنه إذا تصوره، وهو مما فتحه إبليس عليهم من أنواع الكفر وأنواع الجهالات، وربما أفاد إبليس بعضهم أشياء لم يكن يعرفها كما قال بعض الشعراء‏:‏

وكنت امرأً من جند إبليس برهة * من الدهر حتى صار إبليس من جندي

والمقصود أن هذه الطائفة تحركت في هذه السنة، ثم استفحل أمرهم وتفاقم الحال بهم كما سنذكره حتى آل بهم الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام فسفكوا دم الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة وكسروا الحجر الأسود واقتلعوه من موضعه، وذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فمكث غائباً عن موضعه من البيت ثنتين وعشرين سنة فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وكل ذلك من ضعف الخليفة وتلاعب الترك بمنصب الخلافة واستيلائهم على البلاد وتشتت الأمر‏.‏

وقد اتفق في هذه السنة شيئان أحدهما ظهور هؤلاء، والثاني موت حسام الإسلام وناصر دين الله أبو أحمد الموفق رحمه الله، لكن الله أبقى للمسلمين بعده ولده أبو العباس أحمد الملقب بالمعتضد، وكان شهماً شجاعاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 73‏)‏

 ترجمة أبي أحمد الموفق‏.‏

هو الأمير الناصر لدين الله، ويقال له‏:‏ الموفق، ويقال له‏:‏ طلحة بن المتوكل على الله جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، كان مولده في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسعة وعشرين ومائتين، وكان أخوه المعتمد حين صارت الخلافة إليه قد عهد إليه بالولاية بعد أخيه جعفر، ولقبه الموفق بالله، ثم لما قتل صاحب الزنج وكسر جيشه تلقب بناصر دين الله وصار إليه العقد والحل والولاية والعزل، وإليه يجبي الخراج، وكان يخطب له على المنابر فيقال‏:‏ اللهم أصلح الأمير الناصر لدين الله أبا أحمد الموفق بالله ولي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين‏.‏

ثم اتفق موته قبل أخيه المعتمد بستة أشهر، وكان غزير العقل حسن التدبير يجلس للمظالم وعنده القضاة فينصف المظلوم من الظالم وكان عالماً بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك، وله محاسن ومآثر كثيرة جداً‏.‏

وكان سبب موته أنه أصابه مرض النقرس في السفر فقدم إلى بغداد وهو عليل منه فاستقر في داره في أوائل صفر وقد تزايد به المرض وتورمت رجله حتى عظمت جداً، وكان يوضع له الأشياء المبردة كالثلج ونحوه وكان يحمل على سريره يحمله أربعون رجلاً بالنوبة، كل نوبة عشرون‏.‏

فقال ذات يوم‏:‏ ما أظنكم إلا قد مللتم مني فياليتني كواحد منكم آكل كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، وأرقد كما ترقدون في عافية‏.‏

وقال أيضا‏:‏ في ديواني مائة ألف مرتزق ليس فيهم أحد أسوأ حالاً مني‏.‏

ثم كانت وفاته في القصر الحسيني ليلةالخميس لثمان بقين من صفر‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وله سبع وأربعون سنة تنقص شهراً وأياماً‏.‏

ولما توفي اجتمع الأمراء على أخذ البيعة من بعده إلى ولده أبي العباس أحمد، فبايع له المعتمد بولاية العهد من بعد أبيه، وخطب له على المنابر‏.‏

وجعل إليه ما كان لأبيه من الولاية والعزل والقطع والوصل، ولقب المعتضد بالله‏.‏

وفيها‏:‏ توفي إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي‏.‏

قال ابن الأثير‏:‏ كان كثير الحديث والصلاح‏.‏

واسحاق بن كنداج نائب الجزيرة، كان من ذوي الرأي، وقام بما كان إليه ولده محمد‏.‏

ويازمان نائب طرسوس جاءه حجر منجنيق من بلدة كان محاصرها ببلاد الروم فمات منه في رجب من هذه السنة ودفن بطرسوس، فولى نيابة الثغر بعده أحمد الجعيفي بأمر خمارويه بن أحمد بن طولون، ثم عزله عن قريب بابن عمه موسى بن طولون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 74‏)‏

وفيها‏:‏ توفي عبدة بن عبد الرحيم قبحه الله‏.‏

ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيراً في بلاد الروم فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون محاصروا بلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهويها فراسلها ما السبيل إلى الوصول إليك‏؟‏

فقالت‏:‏ أن تتنصر وتصعد إلي، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غماً شديداً، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن فقالوا‏:‏ يا فلان ما فعل قرآنك‏؟‏ما فعل علمك‏؟‏ما فعل صيامك‏؟‏ما فعل جهادك‏؟‏ما فعلت صلاتك‏؟‏

فقال‏:‏ اعلموا أني أنسيت القرآن كله إلا قوله‏:‏ ‏{‏رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏2-3‏]‏ وقد صار لي فيهم مال وولد‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين‏.‏

في أواخر المحرم منها خلع جعفر المفوض من العهد واستقل بولاية العهد من بعد المعتمد أبو العباس المعتضد بن الموفق، وخطب له بذلك على رؤوس الأشهاد، وفي ذلك يقول يحيى بن علي يهني المعتضد‏:‏

ليهنيك عقد أنت فيه المقدم * حباك به رب بفضلك أعلم

فإن كنت قد أصبحت والي عهدنا * فأنت غداً فينا الإمام المعظم

و زال من والاك فيه مبلغاً * مناه ومن عاداك يخزى ويندم

وكان عمود الدين فيه تعوج * فعاد بهذا العهد وهو مقوم

وأصبح وجه الملك جذلان ضاحكاً * يضيء لنا منه الذي كان مظلم

فدونك شدد عقد ما قد حويته * فإنك دون الناس فيه المحكم

وفيها‏:‏ نودي ببغداد أن لا يمكن أحد من القصاص والطرقية والمنجمين ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات، وأن لا تباع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس، وذلك بهمة أبي العباس المعتضد سلطان الإسلام‏.‏

وفيها‏:‏ وقعت حروب بين هارون الشاري وبين بني شيبان في أرض الموصل وقد بسط ذلك ابن الأثير في كامله‏.‏

وفي رجب منها كانت وفاة المعتمد على الله ليلة الاثنين لتسع عشرة ليلة خلت منه‏.‏

 ترجمة المعتمد على الله‏.‏

هو أمير المؤمنين المعتمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد مكث في الخلافة ثلاثاً وعشرين سنة وستة أيام، وكان عمره يوم مات خمسين سنة وأشهراً، وكان أسن من أخيه الموفق بستة أشهر، وتأخر بعده أقل من سنة، ولم يكن إليه مع أخيه شيء من الأمر حتى أن المعتمد طلب في بعض الأيام ثلاثمائة دينار فلم يصل إليها فقال الشاعر في ذلك‏:‏

ومن العجائب في الخلافة أن * ترى ما قل ممتنعاً عليه

وتؤخذ الدنا باسمه جميعاً * وما ذاك شيء في يديه

إليه تحمل الأموال طراًَ * ويمنع بعض ما يجبى إليه

كان المعتمد أول خليفة انتقل من سامرا إلى بغداد ثم لم يعد إليها أحد من الخلفاء، بل جعلوا إقامتهم ببغداد، وكان سبب هلاكه في ما ذكره ابن الأثير أنه شرب في تلك الليلة شراباً كثيراً وتعشى عشاء كثيراً، وكان وقت وفاته في القصر الحسيني من بغداد، وحين مات أحضر المعتضد القضاة والأعيان وأشهدهم أنه مات حتف أنفه، ثم غسل وكفن وصلي عليه ثم حمل فدفن بسامرا‏.‏

وفي صبيحة العزاء بويع للمعتضد‏.‏

 وفيها توفي‏:‏

 البلاذري المؤرخ

واسمه أحمد بن يحيى بن جابر بن داود أبو الحسن ويقال‏:‏ أبو جعفر، ويقال‏:‏ أبو بكرالبغدادي البلاذري صاحب التاريخ المنسوب إليه، سمع هشام بن عمار وأبا عبيد القاسم بن سلام، وأبا الربيع الزهراني وجماعة، وعنه يحيى بن النديم وأحمد بن عمار وأبو يوسف يعقوب بن نعيم بن قرقارة الأزدي‏.‏

قال ابن عساكر‏:‏ كان أديباً ظهرت له كتب جياد، ومدح المأمون بمدائح، وجالس المتوكل، وتوفي أيام المعتمد، وحصل له هوس ووسواس في آخر عمره، وروى عنه ابن عساكر قال‏:‏ قال لي محمود الوراق‏:‏ قل من الشعر ما يبقى لك ذكره، ويزول عنك إثمه، فقلت عند ذلك‏:‏

استعدي يا نفس للموت واسعي * لنجاة فالحازم المستعد‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 76‏)‏

إنما أنت مستعيرة وسوف * تردين والعواري ترد

أنت تسهين والحوادث لا * تسهو وتلهين والمنايا تعد

أي ملك في الأرض وأي حظ *لامرئ حظه من الأرض لحد

لا ترجى البقاء في معدن الموت * ودار حتوفها لك ورد

كيف يهوى امرؤ لذاذة أيام * أنفاسها عليه فيها تعد

 خلافة المعتضد

أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن جعفر المتوكل، كان من خيار خلفاء بني العباس ورجالهم‏.‏

بويع له بالخلافة صبيحة موت المعتمد لعشر بقين من رجب منها، وقد كان أمر الخلافة دائراً فأحياه الله على يديه بعدله وشهامته وجرأته، واستوزر عبيد الله بن سليمان بن وهب وولي مولاه بدراً الشرطة في بغداد، وجاءته هدايا عمرو بن الليث وسأل منه أن يوليه إمرة خراسان فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه بالخلع واللواء فنصبه عمرو في داره ثلاثة أيام فرحاً وسروراً بذلك، وعزل رافع بن هرثمة عن إمرة خراسان ودخلها عمرو بن الليث فلم يزل يتبع رافعاً من بلد إلى بلد حتى قتله في سنة ثلاث وثمانين كما سيأتي، وبعث برأسه إلى المعتضد وصفت إمرة خراسان لعمرو‏.‏

وفيها‏:‏ قدم الحسين بن عبد الله المعروف بالجصاص من الديار المصرية بهدايا عظيمة من خمارويه إلى المعتضد، فتزوج المعتضد بابنة خمارويه فجهزها أبوها بجهاز لم يسمع بمثله، حتى قيل‏:‏ إنه كان في جهازها مائة هاون من ذهب، فحمل ذلك كله من الديار المصرية إلى دار الخلافة ببغداد صحبة العروس، وكان وقتاً مشهوداً‏.‏

وفيها‏:‏ تملك أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين، وكانت قبل ذلك لإسحاق بن كنداج‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس هارون بن محمد العباسي، وهي آخر حجة حجها بالناس، وقد كان يحج بالناس من سنة أربع وستين ومائتين إلى هذه السنة‏.‏

وفيها توفي من الأعيان‏:‏ أحمد أمير المؤمنين المعتمد‏.‏

وأبو بكر بن أبي خيثمة، و هو‏:‏ أحمد بن زهير بن أبي خيثمة صاحب التاريخ وغيره‏.‏

وكان ثقة سمع أبا نعيم، وعفان، وأخذ علم الحديث عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلم النسب عن مصعب الزبيري، وأيام الناس عن أبي الحسن علي بن محمد المدائني، وعلم الأدب عن محمد بن سلام الجمحي‏.‏

حافظا ضابطاً مشهوراً، وفي تاريخه فوائد كثيرة وفرائد غزيرة‏.‏

روى عنه البغوي وابن صاعد وابن أبي داود بن المنادي‏.‏

توفي في جمادى الأولى منها عن أربع وتسعين سنة‏.‏

وخاقان أبو عبد الله الصوفي، كانت له أحوال وكرامات‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 77‏)‏

الترمذي

واسمه محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، وقيل‏:‏ محمد بن عيسى بن يزيد بن سورة بن السكن، ويقال‏:‏ محمد بن عيسى بن سورة بن شداد بن عيسى السلمي الترمذي الضرير، يقال‏:‏ إنه ولد أكمه، وهو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه، وله المصنفات المشهورة، منها الجامع، والشمائل، وأسماء الصحابة وغير ذلك‏.‏

وكتاب الجامع أحد الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في

سائر الآفاق، وجهالة ابن حزم لأبي عيسى الترمذي لا تضره حيث قال في محلاه‏:‏ ومن محمد بن عيسى بن سورة‏؟‏

فإن جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت منزلة ابن حزم عند الحفاظ‏.‏

وكيف يصح في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل

وقد ذكرنا مشايخ الترمذي في التكميل‏.‏

وروى عنه غير واحد من العلماء منهم محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح، والهيثم بن كليب الشاشي صاحب المسند ومحمد بن محبوب المحبوبي، راوي الجامع عنه‏.‏

ومحمد بن المنذر بن شكر‏.‏

قال أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني في كتابه ‏(‏علوم الحديث‏)‏‏:‏ محمد بن عيسى بن سورة بن شداد الحافظ متفق عليه، له كتاب في السنن وكتاب في الجرح والتعديل، روى عنه أبو محبوب والأجلاء، وهو مشهور بالأمانة والإمامة والعلم‏.‏

مات بعد الثمانين ومائتين‏.‏

كذا قال في تاريخ وفاته‏.‏

وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الغنجار في تاريخ بخارى‏:‏ محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الحافظ، دخل بخارى وحدث بها، وهو صاحب الجامع والتاريخ، توفي بالترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين‏.‏

ذكره الحافظ أبو حاتم بن حيان في الثقات، فقال‏:‏ كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر‏.‏

قال الترمذي‏:‏ كتب عني البخاري حديث عطية عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي‏:‏

‏(‏‏(‏لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك‏)‏‏)‏‏.‏

وروى ابن يقظة في تقييده عن الترمذي أنه قال‏:‏ صنفت هذا المسند الصحيح وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي ينطق‏.‏

وفي رواية يتكلم‏.‏

قالوا‏:‏ وجملة الجامع مائة وإحدى وخمسون كتاباً، وكتاب العلل صنفه بسمرقند، وكان فراغه منه في يوم عيد الأضحى سنة سبعين ومائتين‏.‏

قال ابن عطية‏:‏ سمعت محمد بن طاهر المقدسي سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري يقول‏:‏ كتاب الترمذي عندي أنور من كتاب البخاري ومسلم‏.‏

قلت‏:‏ ولم‏؟‏‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 78‏)‏

قال‏:‏ لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من هو من أهل المعرفة التامة بهذا الفن، وكتاب الترمذي قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليها كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم‏.‏

قلت‏:‏ والذي يظهر من حال الترمذي أنه إنما طرأ عليه العمى بعد أن رحل وسمع وكتب وذاكر وناظر وصنف، ثم اتفق موته في بلده في رجب منها على الصحيح المشهور والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين من الهجرة‏.‏

في المحرم منها قتل المعتضد رجلاً من أمراء الزنج كان قد لجأ إليه بالأمان ويعرف بسلمة، ذكر له أنه يدعو إلى رجل لا يعرف من هو، وقد أفسد جماعة فاستدعي به فقرره فلم يقر، وقال‏:‏ لو كان تحت قدمي ما أقررت به، فأمر به فشد على عمود، ثم لوحه على النار حتى تساقط جلده، ثم أمر بضرب عنقه وصلبه لسبع خلون من المحرم‏.‏

وفي أول صفر ركب المعتضد من بغداد قاصداً بني شيبان من أرض الموصل فأوقع بهم بأساً شديداً عند جبل يقال له‏:‏ نوباذ‏.‏

وكان مع المعتضد حاد جيد الحداء، فقال في تلك الليالي يحدو للمعتضد‏:‏

فأجهشت للنوباذ حين رأيته * وهللت للرحمن حين رآني

وقلت له‏:‏ أين الذين عهدتهم * بظلك في أمن ولين زمامي

فقال‏:‏ مضوا واستخلفوني مكانهم * ومن ذا الذي يبقى على الحدثان

وفيها‏:‏ أمر المعتضد بتسهيل عقبة حلوان فغرم عليها عشرين ألف دينار، وكان الناس يلقون منها شدة عظيمة‏.‏

وفيها‏:‏ أمر بتوسيع جامع المنصور بإضافة دار المنصور إليه، وغرم عليه عشرين ألف دينار، وكانت الدار قبلته فبناها مسجداً على حدة، وفتح بينهما سبعة عشر باباً، وحول المنبر والمحراب إلى المسجد ليكون في قبلة الجامع على عادته‏.‏

قال الخطيب‏:‏ وزاد بدر مولى المعتضد السقفان من قصر المنصور المعروفة بالبدرية‏.‏

 بناء دار الخلافة من بغداد في هذا الوقت‏.‏

أول من بناها المعتضد في هذه السنة‏.‏

وهو أول من سكنها من الخلفاء إلى آخر دولتهم، وكانت أولاً داراً للحسن بن سهل تعرف بالقصر الحسني، ثم صارت بعد ذلك لابنته بوران زوجة المأمون، فعمرتها حتى استنزلها المعتضد عنها فأجابته إلى ذلك، ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 79‏)‏ ثم أصلحت ما وهى منها، ورممت ما كان قد تشعث فيها، وفرشتها بأنواع الفرش في كل موضع منها ما يليق به من المفارش، وأسكنته ما يليق به من الجواري والخدم، وأعدت بها المآكل الشهية وما يحسن ادخاره في ذلك الزمان، ثم أرسلت مفاتيحها إلى المعتضد فلما دخلها هاله ما رأى من الخيرات، ثم وسعها وزاد فيها وجعل لها سوراً حولها، وكانت قدر مدينة شيراز، وبنى الميدان ثم بنى فيها قصراً مشرفاً على دجلة، ثم بنى فيها المكتفي التاج‏.‏

فلما كان أيام المقتدر زاد فيها زيادات أخر كباراً كثيرة جداً، ثم بعد هذا كله خربت حتى كأن لم يكن موضعها عمارة، وتأخرت آثارها إلى أيام التتار الذين خربوها وخربوا بغداد وسبوا من كان بها من الحرائر كما سيأتي بيانه في موضعه من سنة ست وخمسين وستمائة‏.‏

قال الخطيب‏:‏ والذي يشبه أن بوران وهبت دارها للمعتمد لا للمعتضد، فإنها لم تعش إلى أيامه، وقد تقدمت وفاتها‏.‏

وفيها‏:‏ زلزلت أردبيل ست مرات فتهدمت دورها، ولم يبق منها مائة دار، ومات تحت الردم مائة ألف وخمسون ألفاً فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وفيها‏:‏ غارت المياه ببلاد الري وطبرستان حتى بيع

الماء كل ثلاثة أرطال بدرهم، وغلت الأسعار هنالك جداً‏.‏

وفيها‏:‏ غزا إسماعيل بن أحمد الساماني ببلاد الترك ففتح مدينة ملكهم، وأسر امرأته الخانون وأباه ونحواً من عشرة آلاف أسير، وغنم من الدواب والأمتعة والأموال شيئاً كثيراً، أصاب الفارس ألف درهم‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس أبو بكر محمد بن هارون بن إسحاق العباسي‏.‏

وفيها توفي من الأعيان‏:‏ أحمد بن سيار بن أيوب الفقيه الشافعي المشهور بالعبادة والزهادة‏.‏

وأحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى أبو جعفر البغدادي، كان من أكابر الحنفية، تفقه على محمد بن سماعة وهو أستاذ أبي جعفر الطحاوي، وكان ضريراً، سمع الحديث من علي بن الجعد وغيره، وقدم مصر فحدث بها من حفظه، وتوفي بها في المحرم من هذه السنة، وقد وثقه ابن يونس في تاريخ مصر‏.‏

وأحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر

القاضي بواسط صاحب المسند، روى عن مسلم بن إبراهيم وأبي سلمة التبوذكي، وأبي نعيم وأبي الوليد وخلق، وكان ثقة ثبتاً تفقه بأبي سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن، وقد حكم بالجانب الشرقي من بغداد في أيام المعتز، فلما كان أيام الموفق طلب منه ومن إسماعيل القاضي أن يعطياه ما بأيديهما من أموال اليتامى الموقوفة فبادر إلى ذلك إسماعيل القاضي واستنظره إلى ذلك أبو العباس البرقي هذا، ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 80‏)‏ ثم بادر إلى كل من أنس منه رشداً من اليتامى فدفع إليه ماله، فلما طولب به قال‏:‏ ليس عندي منه شيء، دفعته إلى أهله، فعزل عن القضاء ولزم بيته وتعبد إلى أن توفي في ذي الحجة منها‏.‏

وقد رآه بعضهم في المنام وقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه وصافحه وقبل بين عينيه، وقال‏:‏ مرحباً بمن عمل بسنتي وأثري‏.‏

وفيها‏:‏ توفي جعفر بن المعتضد، وكان يسامر أباه‏.‏

وراشد مولى الموفق بمدينة الدينور فحمل إلى بغداد‏.‏

وعثمان بن سعيد الدارمي مصنف الرد على بشر المريسي فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجهمية وقد ذكرناه في طبقات الشافعية‏.‏

ومسرور الخادم وكان من أكابر الأمراء‏.‏

ومحمد بن إسماعيل الترمذي صاحب التصانيف الحسنة في رمضان منها، قاله ابن الأثير، وشيخنا الذهبي‏.‏

وهلال بن المعلا المحدث المشهور، وقد وقع لنا من حديثه طرف‏.‏

وسيبويه أستاذ النحاة

وقيل‏:‏ إنه توفي في سنة سبع وسبعين، وقيل‏:‏ ثمان وثمانين، وقيل‏:‏ إحدى وستين، وقيل‏:‏ أربع وسبعين ومائة فالله أعلم‏.‏

وهو أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب، وقيل‏:‏ مولى الربيع بن زياد الحارثي البصري‏.‏

ولقب سيبويه لجماله وحمرة وجنتيه حتى كانتا كالتفاحتين‏.‏

وسيبويه في لغة فارس‏:‏ رائحة التفاح‏.‏

وهو الإمام العلامة العلم، شيخ النحاة من لدن زمانه إلى زماننا هذا، والناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن‏.‏

وقد شرح بشروح كثيرة وقل من يحيط علماً به‏.‏

أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد ولازمه، وكان إذا قدم يقول الخليل‏:‏ مرحباً بزائر لا يمل‏.‏

وأخذ أيضاً عن عيسى بن عمر، ويونس بن حبيب وأبي زيد الأنصاري، وأبي الخطاب الأخفش الكبير وغيرهم، قدم من البصرة إلى بغداد أيام كان الكسائي يؤدب الأمين بن الرشيد، فجمع بينهما فتناظرا في شيء من مسائل النحو فانتهى الكلام إلى أن قال الكسائي‏:‏ تقول العرب‏:‏ كنت أظن الزنبور أشد لسعاً من النحلة فإذا هو إياها‏.‏

فقال سيبويه‏:‏ بيني وبين أعرابي لم يشبه شيء من الناس المولد، وكان الأمين يحب نصرة أستاذه فسأل رجلاً من الأعراب فنطق بما قال سيبويه‏.‏

فكره الأمين ذلك وقال له‏:‏ إن الكسائي يقول خلافك‏.‏

فقال‏:‏ إن لساني لا يطاوعني على ما يقول‏.‏

فقال‏:‏ أحب أن تحضر وأن تصوب كلام الكسائي، فطاوعه على ذلك وانفصل المجلس عن قول الأعرابي إذا الكسائي أصاب‏.‏

فحمل سيبويه على نفسه وعرف أنهم تعصبوا عليه ورحل عن بغداد، فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها‏:‏ البيضاء، وقيل‏:‏ إنه ولد بهذه، وتوفي بمدينة سارة في هذه السنة، وقيل‏:‏ سنة سبع وسبعين، وقيل‏:‏ ثمان وثمانين، وقيل‏:‏ إحدى وتسعين، وقيل‏:‏ أربع وتسعين ومائة فالله أعلم‏.‏

وقد ينف على الأربعين، وقيل‏:‏ بل إنما عمر ثنتين وثلاثين سنة فالله أعلم‏.‏

قرأ بعضهم على قبره هذه الأبيات‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 81‏)‏

ذهب الأحبة بعد طول تزاور * ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا

تركوك أوحش ما تكون بقفرة * لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا

قضى القضاء وصرت صاحب حفرة * عنك الأحبة أعرضوا وتصدعوا

 ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين‏.‏

فيها‏:‏ دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا وسلموا‏.‏

وفيها‏:‏ تكامل غور المياه ببلاد الري وطبرستان‏.‏

وفيها‏:‏ غلت الأسعار جداً، وجهد الناس حتى أكل بعضهم بعضاً، فكان الرجل يأكل ابنه وابنته فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وفيها‏:‏ حاصر المعتضد قلعة ماردين وكانت بيد حمدان بن حمدون ففتحها قسراً وأخذ ما كان فيها، ثم أمر بتخريبها فهدمت‏.‏

وفيها‏:‏ وصلت قطر الندى بنت خمارويه سلطان الديار المصرية إلى بغداد في تجمل عظيم ومعها من الجهاز شيء كثير حتى قيل‏:‏ إنه كان في الجهاز مائة هاون من ذهب غير الفضة وما يتبع ذلك من القماش، وغير ذلك مما لا يحصى‏.‏

ثم بعد كل حساب أرسل معها أبوها ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار لتشتري بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما ليس بمصر مثله‏.‏

وفيها‏:‏ خرج المعتضد إلى بلاد الجبل، وولى ولده علياً المكتفي نيابة الري وقزوين وأزربيجان وهمدان والدينور، وجعل على كتابته أحمد بن الأصبغ، وولى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف نيابة أصبهان ونهاوند والكرج، ثم عاد راجعاً إلى بغداد‏.‏

وحج بالناس محمد بن هارون بن إسحاق، وأصاب الحجاج في الأجفر مطر عظيم فغرق كثير منهم، كان الرجل يغرق في الرمل فلا يقدر أحد على خلاصه منه‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

إبراهيم بن الحسن بن ديزيل الحافظ صاحب كتاب المصنفات، منها في وقعة صفين مجلد كبير‏.‏

وأحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى منها‏.‏

وإسحاق بن إبراهيم

المعروف بابن الجيلي سمع الحديث وكان يفتي الناس بالحديث، وكان يوصف بالفهم والحفظ‏.‏

وفيها توفي‏:‏

أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا القرشي

مولى بني أمية، وهو عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس أبو بكر بن أبي الدنيا الحافظ المصنف في كل فن، المشهور بالتصانيف الكثيرة النافعة الشائعة الزائعة في الرقاق وغيرها، وهي تزيد على مائة مصنف‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 82‏)‏

وقيل‏:‏ إنها نحو الثلاثمائة مصنف، وقيل‏:‏ أكثر، وقيل‏:‏ أقل‏.‏

سمع ابن أبي الدنيا إبراهيم بن المنذر الخزامي، وخالد بن خراش وعلي بن الجعد وخلقاً، وكان مؤدب المعتضد وعلي بن المعتضد الملقب بالمكتفي بالله، وكان له عليه كل يوم خمسة عشر ديناراً، وكان صدوقاً حافظاً ذا مروءة، لكن قال فيه صالح بن محمد حزرة‏:‏ إلا أنه كان يروى عن رجل يقال له‏:‏ محمد بن إسحاق البلخي وكان هذا الرجل كذاباً يضع للأعلام، إسناداً وللكلام إسناداً، ويروى أحاديث منكرة‏.‏

ومن شعر ابن أبي الدنيا‏:‏ أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم، فجاء المطر فحال بينه، فكتب إليهم رقعة فيها‏:‏

أنا مشتاق إلى رؤيتكم * يا أخلاي وسمعي والبصر

كيف أنساكم وقلبي عندكم * حال فيما بيننا هذا المطر

توفي ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي، ودفن بالشونيزية رحمه الله‏.‏

عبد الرحمن بن عمرو أبو زرعة البصري الدمشقي الحافظ الكبير المشهور بابن المواز الفقيه المالكي، له اختيارات في مذهب مالك، فمن ذلك وجوب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة‏.‏

 ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائتين‏.‏

في خامس ربيع الأول منها يوم الثلاثاء دخل المعتضد بزوجته قطر الندى ابنة خمارويه، قدمت بغداد صحبة عمها وصحبة ابن الجصاص، وكان الخليفة غائباً وكان دخولها إليه يوماً مشهوداً، امتنع الناس من المرور في الطرقات من كثرة الخلق‏.‏

وفيها‏:‏ نهى المعتضد الناس أن يعملوا في يوم النيروز ما كانوا يتعاطونه من إيقاد النيران وصب الماء وغير ذلك من الأفعال المشابهة لأفعال المجوس، ومنع من حمل هدايا الفلاحين إلى المنقطعين في هذا اليوم، وأمر بتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسمي النيروز المعتضدي، وكتب بذلك إلى الآفاق‏.‏

وفيها‏:‏ في ذي الحجة قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائي من دمشق على البريد، فأخبر الخليفة بأن خمارويه وثبت عليه خدامه فذبحته على فراشه، وولوا بعده ولده حنش ثم قتلوه ونهبوا داره، ثم ولوا هارون بن خماروية، ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 83‏)‏ وقد التزم في كل سنة أن يحمل إلى الخليفة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، فأقره المعتضد على ذلك، فلما كان المكتفي عزله وولى مكانه محمد بن سليمان الواثقي فاصطفى أموال الطولونيين، وكان ذلك آخر العهد منهم‏.‏

وفيها‏:‏ أطلق لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من الحبس فعاد إلى مصر في أذل حال بعد أن كان من أكثر الناس مالاً وعزاً وجاهاً‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس الأمير المتقدم ذكره‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏ أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري اللغوي صاحب كتاب النبات‏.‏

 إسماعيل بن إسحاق

ابن إسماعيل بن حماد بن زيد أبو إسحاق الأزدي القاضي، أصله من البصرة ونشأ ببغداد وسمع مسلم بن إبراهيم و محمد بن عبد الله الأنصاري، والقعنبي وعلي بن المديني، وكان حافظاً فقيهاً مالكياً جمع وصنف وشرح في المذهب عدة مصنفات في التفسير والحديث والفقه وغير ذلك‏.‏

ولي القضاء في أيام المتوكل بعد سوار بن عبد الله، ثم عزل ثم ولي وصار مقدم القضاة‏.‏

كانت وفاته فجأة ليلة الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة منها، وقد جاوز الثمانين رحمه الله‏.‏

الحارث بن محمد بن أبي أسامة صاحب المسند المشهور‏.‏

 خمارويه بن أحمد بن طولون

صاحب الديار المصرية بعد أبيه سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقد تقاتل هو والمعتضد بن الموفق في حياة أبيه الموفق في أرض الرملة، وقيل‏:‏ في أرض الصعيد‏.‏

وقد تقدم ذلك في موضعه، ثم بعد ذلك لما آلت الخلافة إلى المعتضد تزوج بابنة خمارويه وتصافيا، فلما كان في ذي الحجة من هذه السنة عدا أحد الخدام من الخصيان على خمارويه فذبحه وهو على فراشه، وذلك أن خمارويه اتهمه بجارية له‏.‏

مات عن ثنتين وثلاثين سنة، فقام بالأمر من بعده ولده هارون بن خمارويه، وهو آخر الطولونية‏.‏

وذكر ابن الأثير أن عثمان بن سعيد بن خالد أبو سعيد الدارمي توفي في هذه السنة، وكان شافعياً أخذ الفقه عن البويطي صاحب الشافعي فالله أعلم‏.‏

وقد قدمنا وفاة الفضل بن يحيى بن محمد بن المسيب بن موسى بن زهير بن يزيد بن كيسان بن بادام ملك اليمن، أسلم بادام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/84‏)‏

 أبو محمد الشعراني

الأديب الفقيه العابد الحافظ الرحال، تلميذ يحيى بن معين، روى عنه الفوائد في الجرح والتعديل وغير ذلك، وكذلك أخذ عن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، وقرأ على خلف بن هشام البزار، وتعلم اللغة من ابن الأعرابي، وكان ثقة كبيراً‏.‏

محمد بن القاسم بن خلاد أبو العيناء البصري الضرير الشاعر الأديب البليغ اللغوي تلميذ الأصمعي، كنيته أبو عبد الله وإنما لقب بأبي العيناء لأنه سئل عن تصغير عيناء فقال‏:‏ عييناء، له معرفة تامة بالأدب والحكايات والملح‏.‏

أما الحديث فليس منه إلا القليل‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين‏.‏

في المحرم منها خرج المعتضد من بغداد قاصداً بلاد الموصل لقتال هارون الشاري الخارجي، فظفر به وهزم أصحابه وكتب بذلك إلى بغداد، فلما رجع الخليفة إلى بغداد أمر بصلب هارون الشاري وكان صفرياً‏.‏

فلما صلب قال‏:‏ لا حكم إلا لله ولو كره المشركون‏.‏

وقد قاتل الحسن بن حمدان الخوارج في هذه الغزوة قتالاً شديداً مع الخليفة، فأطلق الخليفة أباه حمدان بن حمدون من القيود بعد ما كان قد سجنه حيناً من وقت أخذ قلعة ماردين، فأطلقه وخلع عليه وأحسن إليه‏.‏

وفيها‏:‏ كتب المعتضد إلى الآفاق بردما فضل عن سهام ذوي الفرض إذا لم تكن عصبة إلى ذوي الأرحام وذلك بفتيا أبي حازم القاضي‏.‏

وقد قال في فتياه‏:‏ إن هذا اتفاق من الصحابة إلا زيد بن ثابت فإنه تفرد برد ما فضل والحلة هذه إلى بيت المال‏.‏

ووافق على ذلك علي بن محمد بن أبي الشوارب أبي حازم، وخالفهما القاضي يوسف بن يعقوب، وذهب إلى قول زيد فلم يلتفت إليه المعتضد ولا عد قوله شيئاً، وأمضى فتيا أبي حازم، ومع هذا ولى القضاء يوسف بن يعقوب في الجانب الشرقي، وخلع عليه خلعة سنية، وقلد أبا حازم قضاء أماكن كثيرة وذلك لموافقته ابن أبي الشوارب وخلع عليه خلعاً سنية أيضاً‏.‏

وفيها‏:‏ وقع الفداء بين المسلمين والروم فاستنقذ من أيديهم ألفا أسير وخمسمائة وأربعة أنفس‏.‏

وفيها‏:‏ حاصرت الصقالبة الروم في القسطنطينية فاستعان ملك الروم بمن عنده من أسارى المسلمين وأعطاهم سلاحاً كثيراً فخرجوا معهم فهزموا الصقالبة، ثم خاف ملك الروم من غائلة أولئك المسلمين ففرقهم في البلاد‏.‏

وفيها‏:‏ خرج عمرو بن الليث من نيسابور لبعض أشغاله فخلفه فيها رافع بن هرثمة ودعا على منابرها لمحمد بن زيد المطلبي ولولده من بعده، فرجع إليه عمرو وحاصره فيها، ولم يزل به حتى أخرجه منها وقتله على بابها‏.‏

وفيها‏:‏ بعث الخليفة وزيره عبيد الله بن سليمان

لقتال عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف، فلما وصل إليه طلب منه عمر الأمان فأمنه وأخذه معه إلى الخليفة فتلقاه الأمراء، وخلع عليه الخليفة وأحسن إليه‏.‏

وفيها توفي من الأعيان‏:‏ إبراهيم بن مهران أبو إسحاق الثقفي السراج النيسابوري، كان الإمام أحمد يدخل إلى منزله - وكان بقطيعة الربيع في الجانب الغربي - وينبسط فيه ويفطر عنده، وكان من الثقات العباد العلماء، توفي في صفر منها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 85‏)‏

إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن حازم أبو القاسم الجيلي، وليس هو بالذي تقدم ذكره في السنين المتقدمة‏.‏

سمع داود بن عمرو وعلي بن الجعد وخلقاً كثيراً‏.‏

وقد لينه الدارقطني فقال‏:‏ ليس بالقوي‏.‏

توفي عن نحو من ثمانين سنة‏.‏

سهل بن عبد الله بن يونس التستري أبو محمد أحد أئمة الصوفية، لقي ذا النون المصري‏.‏

ومن كلامه الحسن قوله‏:‏ أمس قد مات واليوم في النزع وغد لم يولد‏.‏

وهذا كما قال بعض الشعراء‏:‏

ما مضى فات والمؤمل غ * يب ولك الساعة التي أنت فيها

وقد تخرج سهل شيخاً له محمد بن سوار، وقيل‏:‏ إن سهلاً قد توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين فالله أعلم‏.‏

وفيها‏:‏ توفي عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش أبو محمد الحافظ المروزي أحد الجوالين الرحالين حفاظ الحديث والمتكلمين في الجرح والتعديل، وقد كان ينبذ بشيء من التشيع فالله أعلم‏.‏

روى الخطيب عنه أنه قال‏:‏ شربت بولي في هذا الشأن خمس مرات - يعنى أنه اضطر إلى ذلك في أسفاره في الحديث من العطش -

علي بن محمد بن أبي الشوارب‏.‏

عبد الملك الأموي البصري قاضي سامرا‏.‏

وقد ولى في بعض الأحيان قضاء القضاة، وكان من الثقات، سمع أبا الوليد وأبا عمرو الحوصي وعنه النجاد وابن صاعد وابن قانع، وحمل الناس عنه علماً كثيراً‏.‏

ابن الرومي الشاعر

صاحب الديوان في الشعر علي بن العباس بن جريج أبو الحسن المعروف بابن الرومي، وهو مولى عبد الله بن جعفر وكان شاعراً مشهوراً مطيقاً فمن ذلك قوله‏:‏

إذا ما مدحت الباخلين فإنما * تذكرهم في سواهم من الفضل

وتهدي لهم غماً طويلاً وحسرة * فإن منعوا منك النوال فبالعدل

وقال‏:‏ إذا ما كساك الدهر سربال صحة * ولم تخل من قوت يلذ ويعذب

فلا تغبطن المترفين فإنه * على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب

وقال أيضا‏:‏ عدوك من صديقك مستفاد *فلا تستكثرن من الصحاب

فإن الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب

إذا انقلب الصديق غداً عدواً * مبيناً والأمور إلى انقلاب

ولو كان الكثير يطيب كانت * مصاحبة الكثير من الصواب‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 86‏)‏

ولكن قل ما استكثرت إلا * وقعت على ذئاب في ثياب

فدع عنك الكثير فكم كثير * يعاف وكم قليل مستطاب

وما اللجج العظام بمزريات * ويكفي الري في النطف العذاب

وقال أيضاً‏:‏ وما الحسب الموروث إلا دردره *بمحتسب إلا بآخر مكتسب

فلا تتكل إلا على ما فعلته * ولا تحسبن المجد يورث كالنسب

فليس يسود المرء إلا بفعله * وإن عد آباء كراماً ذوي حسب

إذا العود لم يثمر وإن كان أصله * من المثمرات عنده الناس في الحطب

وللمجد قوم شيدوه بأنفس * كرام ولم يعنوا بأم ولا بأب

وقال أيضاً وهو من لطيف شعره‏:‏

قلبي من الطرف السقيم سقيم *لو أن من أشكو إليه رحيم

في وجهها أبداً نهار واضح * من شعرها عليه ليل بهيم

إن أقبلت فالبدر لاح وإن * مشت فالغصن راح وإن رنت فالريم

نعمت بها عيني فطال عذابها * ولكم عذاب قد جناه نعيم

نظرت فاقصدت الفؤاد بسهمها * ثم انثنت نحوي فكدت أهيم

ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت * وقع السهام ووقعهن أليم

يا مستحل دمي محرم رحمتي * ما أنصف التحليل والتحريم

وله أيضا وكان يزعم أنه ما سبق إليه‏:‏

آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم *في الحادثات إذا زجرن نجوم

منها معالم للهدى ومصابح * تجلو الدجى والأخريات رجوم

وذكر أنه ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين‏.‏

ومات في هذه السنة، وقيل‏:‏ في التي بعدها، وقيل‏:‏ في سنة ست وسبعين ومائتين، وذكر أن سبب وفاته أن وزير المعتضد القاسم بن عبيد الله كان يخاف من هجوه ولسانه فدس عليه من أطعمه وهو بحضرته خشكنانجة مسمومة، فلما أحس السم قام فقال له الوزير‏:‏ إلى أين‏؟‏‏(‏ج/ص‏:‏ 11/87‏)‏

قال‏:‏ إلى المكان الذي بعثتني إليه‏.‏

قال‏:‏ سلم على والدي‏.‏

فقال‏:‏ لست أجتاز على النار‏.‏

ومحمد بن سليمان بن الحرب أبو بكر الباغندي الواسطي، كان من الحفاظ، وكان أبو داود يسأله عن الحديث، ومع هذا تكلموا فيه وضعفوه‏.‏

محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر الضبي المعروف بتنهام

سمع سفيان وقبيصة والقعنبي، وكان من الثقات‏.‏

قال الدارقطني‏:‏ وربما أخطأ‏.‏

توفي في رمضان عن تسعين سنة‏.‏

البحتري الشاعر

صاحب الديوان المشهور، اسمه الوليد بن عبادة ويقال‏:‏ ابن عبيد بن يحيى أبو عباد الطائي البحتري الشاعر، أصله من منبج وقدم بغداد ومدح المتوكل والرؤوساء، وكان شعره في المدح خيراً منه في المراثي فقيل له في ذلك فقال‏:‏ المديح للرجاء والمراثي للوفاء وبينهما بعد‏.‏

وقد روى شعره المبرد وابن درستويه وابن المرزبان‏.‏

وقيل له‏:‏ إنهم يقولون إنك أشعر من أبي تمام‏.‏

فقال‏:‏ لولا أبو تمام ما أكلت الخبز، كان أبو تمام أستاذنا‏.‏

وقد كان البحتري شاعراً مطيقاً فصيحاً بليغاً رجع إلى بلده فمات بها في هذه السنة، وقيل‏:‏ في التي بعدها عن ثمانين سنة

 ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين

في المحرم منها دخل رأس رافع بن هرثمة إلى بغداد فأمر الخليفة بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم بالجانب الغربي إلى الليل‏.‏

وفي ربيع الأول منها خلع على محمد بن يوسف بن يعقوب بالقضاء بمدينة أبي جعفر المنصور عوضاً عن ابن أبي الشوارب بعد موته بخمسة أشهر وأيام، وقد كانت شاغرة تلك المدة‏.‏ وفي ربيع الآخر منها ظهرت بمصر ظلمة شديدة وحمرة في الأفق حتى كان الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جداً‏.‏

وكذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل ثم خرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرعون حتى كشف عنهم‏.‏

وفيها‏:‏ عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر فحذره ذلك وزيره عبد الله بن وهب، وقال له‏:‏ إن العامة تنكر قلوبهم ذلك وهم يترحمون عليه ويترضون عنه في أسواقهم وجوامعهم، فلم يلتفت إليه بل أمر بذلك وأمضاه وكتب به نسخاً إلى الخطباء بلعن معاوية وذكر فيها ذمه وذم ابنه يزيد بن معاوية وجماعة من بني أمية، وأورد فيها أحاديث باطلة في زم معاوية وقرئت في الجانبين من بغداد، ونهيت العامة عن الترحم على معاوية والترضي عنه، ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 88‏)‏ فلم يزل به الوزير حتى قال له فيما قال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن هذا الصنيع لم يسبقك أحد من الخلفاء إليه، وهو مما يرغب العامة في الطالبيين وقبول الدعوة إليهم، فوجم المعتضد عند ذلك لذلك تخوفاً على الملك، وقدر الله تعالى أن هذا الوزير كان ناصبياً يكفر علياً فكان هذا من هفوات المعتضد‏.‏

وفيها‏:‏ نودي في البلاد لا يجتمع العامة على قاص ولا منجم ولا جدلي ولا غير ذلك، وأمرهم أن لا يهتموا لأمر النوروز، ثم أطلق لهم النوروز فكانوا يصبون المياه على المارة وتوسعوا في ذلك وغلوا فيه حتى جعلوا يصبون الماء على الجند والشرط وغيرهم، وهذا أيضاً من هفواته‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفيها وعد المنجمون الناس أن أكثر الأقاليم ستغرق في زمن الشتاء من كثرة الأمطار

والسيول وزيادة الأنهار، وأجمعوا على هذا الأمر فأخذ الناس كهوفاً في الجبال خوفاً من ذلك، فأكذب الله تعالى المنجمين في قولهم فلم يكن عام أقل مطراً منه، وقلت العيون جداً وقحط الناس في كل بقعة حتى استسقى الناس ببغداد وغيرها من البلاد مراراً كثيرة‏.‏

قال‏:‏ وفيها كان يتبدى في دار الخلافة شخص بيده سيف مسلول في الليل فإذا أرادوا أخذه انهزم، فدخل في بعض الأماكن والزروع والأشجار والعطفات التي بدار الخلافة فلا يطلع له على خبر، فقلق من ذلك المعتضد قلقاً شديداً وأمر بتجديد سور دار الخلافة والاحتفاظ به، وأمر الحرس من كل جانب بشدة الاحتراس فلم يفد ذلك شيئاً، ثم استدعى بالمغرمين ومن يعاني علم السحر وأمر المنجمين فعزموا واجتهدوا فلم يفد ذلك شيئاً فأعياهم أمره‏.‏

فلما كان بعد مدة اطلع على جلية الأمر وحقيقة الخبر فوجده خادماً خصياً من الخدام كان يتعشق بعض الجواري من حظايا المعتضد التي لا يصل إليها مثله ولا النظر إليها من بعيد، فاتخذ لحاً مختلفة الألوان يلبس كل ليلة واحدة، واتخذ لباساً مزعجاً فكان يلبس ذلك ويتبدى في الليل في شكل مزعج فيفزع الجواري وينزعجن وكذلك الخدم، فيثورون إليه من كل جانب فإذا قصدوه دخل في بعض العطفات ثم يلقي ما عليه أو يجعله في كمه أو في مكان قد أعده لذلك، ثم يظهر أنه من جملة الخدم المتطلبين لكشف هذا الأمر، ويسأل هذا وهذا ما الخبر‏؟‏

والسيف في يده صفة من يرى أنه قد رهب من هذا الأمر، وإذا اجتمع الحظايا تمكن من النظر إلى تلك المعشوقة ولا حظها وأشار إليها بما يريده منها وأشارت إليه، فلم يزل هذا دأبه إلى زمن المقتدر فبعثه في سرية إلى طرسوس فنمت عليه تلك الجارية، وانكشف أمره وحاله وأهلكه الله‏.‏

وفيها‏:‏ اضطرب الجيش المصري على هارون بن خمارويه فأقاموا له بعض أمراء أبيه يدير الأمور ويصلح الأحوال، وهو أبو جعفر بن أبان، فبعث إلى دمشق - وكانت قد منعت البيعة تسعة أشهر بعد أبيه، واضطربت أحوالها - فبعث إليهم جيشاً كثيفاً مع بدر الحمامي والحسن بن أحمد الماذرائي فأصلحا أمرها واستعملا على نيابتها طفح بن خف، ورجعا إلى الديار المصرية والأمور مختلفة جداً‏.‏

وفيها وتوفي من الأعيان‏:‏

أحمد بن المبارك أبو عمر المستملي

الزاهد النيسابوري يلقب بحكمويه العابد، سمع قتيبة وأحمد وإسحاق وغيرهم واستملى على المشايخ ستاً وخمسين سنة، وكان فقيراً رث الهيئة زاهداً، دخل يوماً على أبي عثمان سعيد بن إسماعيل وهو في مجلس التذكير، فبكى أبو عثمان وقال للناس‏:‏ إنما أبكاني رثاثة ثياب رجل كبير من أهل العلم أنا أجله عن أن أسميه في هذا المجلس، فجعل الناس يلقون الخواتم والثياب والدراهم حتى اجتمع من ذلك شيء كثير بين يدي الشيخ أبي عثمان، فنهض عند ذلك أبو عمرو المستملى فقال‏:‏

أيها الناس أنا الذي قصدني الشيخ بكلامه، ولولا أني كرهت أن يتهم بإثم لسترت ما ستره‏.‏

فتعجب الشيخ من إخلاصه ثم أخذ أبو عمرو ذلك المجتمع من المال فما خرج من باب المسجد حتى تصدق بجميعه على الفقراء والمحاويج‏.‏

كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة‏.‏

إسحاق بن الحسن

ابن ميمون بن سعد أبو يعقوب الحربي، سمع عفان وأبا نعيم وغيرهما‏.‏

وكان أسن من إبراهيم الحربي بثلاث سنين، ولما توفي إسحاق نودي له بالبلد فقصد الناس داره للصلاة عليه، واعتقد بعض العامة أنه إبراهيم الحربي، فجعلوا يقصدون داره فيقول إبراهيم‏:‏ ليس إلى هذا الموضع قصدكم وعن قريب تأتونه، فما عمر بعده إلا دون السنة‏.‏

إسحاق بن محمد بن يعقوب الزهري عمر تسعين سنة، وكان ثقة صالحاً‏.‏

إسحاق بن موسى بن عمران الفقيه أبو يعقوب الإسفراييني الشافعي‏.‏

عبد الله بن علي بن الحسن بن إسماعيل أبو العباس الهاشمي، كانت إليه الحسبة ببغداد وإمامة جامع الرصافة‏.‏

عبد العزيز بن معاوية العتابي من ولد عتاب بن أسيد بصري، قدم بغداد وحدث عن أزهر السمان وأبي عاصم النبيل‏.‏

يزيد بن الهيثم بن طهمان أبو خالد الدقاق ويعرف بالباد‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ والصواب أن يقال‏:‏ البادي لأنه ولد توأماً وكان هو الأول في الميلاد‏.‏

روى عن يحيى بن معين وغيره وكان ثقة صالحاً‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 90‏)‏

 ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين

فيها‏:‏ وثب صالح بن مدرك الطائي على الحجاج بالأجفر، فأخذ أموالهم ونساءهم، يقال‏:‏ إنه أخذ منهم ما قيمته ألف ألف دينار‏.‏

وفي ربيع الأول منها يوم الأحد لعشر بقين منه، ارتفعت بنواحي الكوفة ظلمة شديدة جداً، ثم سقطت أمطار برعود وبروق لم ير مثلها، وسقط في بعض القرى مع المطر حجارة بيض وسود، وسقط برد كبار وزن البردة مائة وخمسون درهماً، واقتلعت الرياح شيئاً كثيراً من النخيل والأشجار مما حول دجلة، وزادت دجلة زيادة كثيرة حتى خيف على بغداد من الغرق‏.‏

وفيها‏:‏ غزا راغب الخادم مولى الموفق بلاد الروم، ففتح حصوناً كثيرة، وأسر ذراري كثيرة جداً، وقتل من أسارى الرجال الذين معه ثلاثة آلاف أسير، ثم عاد سالماً مؤيداً منصور‏.‏

وحج بالناس فيها محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي‏.‏

وفيها‏:‏ توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ صاحب آمد، فقام بأمرها من بعده ولده محمد، فقصده المعتضد ومعه ابنه أبو محمد المكتفي بالله فحاصره بها فخرج إليه سامعاً مطيعاً، فتسلمها منه وخلع عليه وأكرم أهلها، واستخلف عليها ولده المكتفي‏.‏

ثم سار إلى قنسرين والعواصم، فتسلمها عن كتاب هارون بن خمارويه، وإذنه له في ذلك ومصالحته له فيها‏.‏

وفيها‏:‏ غزا بن الأخشيد بأهل طرسوس بلاد الروم، ففتح الله على يديه حصوناً كثيرة، ولله الحمد‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 إبراهيم بن إسحاق

ابن بشير بن عبد الله بن رستم، أبو إسحاق الحربي، أحد الأئمة في الفقه والحديث وغير ذلك، وكان زاهداً عابداً تخرج بأحمد بن حنبل، وروى عنه كثيراً‏.‏

قال الدارقطني‏:‏ إبراهيم الحربي، إمام مصنف عالم بكل شيء، بارع في كل علم، صدوق، كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وورعه وعلمه، ومن كلامه‏:‏ أجمع عقلاء كل أمة أن من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه‏.‏

وكان يقول‏:‏ الرجل كل الرجل الذي يدخل غمه على نفسه ولا يدخله على عياله‏.‏

وقد كانت بي شقيقة منذ أربعين سنة ما أخبرت بها أحداً قط، ولي عشرون سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت بها أحداً قط‏.‏

وذكر أنه مكث نيفاً وسبعين سنة من عمره ما يسأل أهله غداء ولا عشاء، ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 91‏)‏ بل إن جاءه شيء أكله، وإلا طوى إلى الليلة القابلة‏.‏

وذكر أنه أنفق في بعض الرماضانات على نفسه وعياله درهماً واحداً وأربعة دوانيق ونصف، وما كنا نعرف من هذه الطبائخ شيئاً، إنما هو باذنجان مشوي، أو باقة فجل، أو نحو هذا‏.‏

وقد بعث إليه أمير المؤمنين المعتضد في بعض الأحيان بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها وردها، فرجع الرسول وقال‏:‏

يقول لك الخليفة‏:‏ فرقها على من تعرف من فقراء جيرانك‏.‏

فقال‏:‏ هذا شيء لم نجمعه، ولا نسأل عن جمعه، فلا نسأل عن تفريقه، قل لأمير المؤمنين‏:‏ إما يتركنا وإما نتحول من بلده‏.‏

ولما حضرته الوفاة دخل عليه بعض أصحابه يعوده، فقامت ابنته تشكو إليه ما هم فيه من الجهد وأنه لا طعام لهم إلا الخبز اليابس بالملح، وربما عدموا الملح في بعض الأحيان‏.‏

فقال لها إبراهيم‏:‏ يا بنية تخافين الفقر‏؟‏انظري إلى تلك الزاوية فيها اثني عشر ألف جزء قد كتبتها، ففي كل يوم تبيعي منها جزء بدرهم، فمن عنده اثني عشر ألف درهم فليس بفقير‏.‏

ثم كانت وفاته لسبع بقين من ذي الحجة وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي عند باب الأنبار، وكان الجمع كثيراً جداً‏.‏

 المبرد النحوي

محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس الأزدي الثمالي، المعروف‏:‏ بالمبرد النحوي البصري، إمام في اللغة والعربية‏.‏

أخذ ذلك عن المازني، وأبي حاتم السجستاني، وكان ثقة ثبتاً فيما ينقله، وكان مناوئاً لثعلب، وله كتاب ‏(‏الكامل في الأدب‏)‏، وإنما سمي بالمبرد‏:‏ لأنه اختبأ من الوالي عند أبي حاتم تحت المزبلة‏.‏

قال المبرد‏:‏ دخلنا يوماً على المجانين نزورهم أنا وأصحاب معي بالرقة، فإذا فيهم شاب قريب العهد بالمكان، عليه ثياب ناعمة بصر بنا قال‏:‏

حياكم الله ممن أنتم‏؟‏

قلنا‏:‏ من أهل العراق‏.‏

فقال‏:‏ بأبي العراق وأهلها أنشدوني أو أنشدكم‏؟‏‏.‏

قال المبرد‏:‏ بل أنشدنا أنت، فأنشأ يقول‏:‏

الله يعلم أنني كمد * لا أستطيع بث ما أجدُ

روحان لي روح تضمنها * بلد وأخرى حازها بلدُ

وأرى المقيمة ليس ينفعها * صبر ولا يقوى لها جلد

وأظن غائبتي كحاضرتي * بمكانها تجد الذي أجد

قال المبرد‏:‏ فقلت‏:‏ والله إن هذا طريف فزدنا منه، فأنشأ يقول‏:‏

لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم * وحملوها فثارت بالهوى الإبل

وأبرزت من خلال السجف ناظرها * ترنو إلي ودمع العين ينهمل

وودعت ببنان عقدها عنم * ناديت لا حملت رجلاك يأجمل

ويلي من البين ماذا حل بي وبهم * من نازل البين حان البين وارتحلوا

يا راحل العيس عجل كي أودعهم * يا راحل العيس في ترحالك الأجل‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 92‏)‏

إني على العهد لم أنقض مودتهم * فليت شعري لطول العهد ما فعلوا

فقال رجل من البغضاء الذين معي‏:‏ ماتوا‏.‏

فقال الشاب‏:‏ إذاً أموت‏.‏

فقال‏:‏ إن شئت‏.‏

فتمطى واستند إلى سارية عنده ومات، وما برحنا حتى دفناه رحمه الله‏.‏

ومات المبرد وقد جاوز السبعين‏.‏